رئيس تنفيذي للاستراتيجيات في شركة فورتريس للاستشارات في قطر
من اقترض قبل خمس أو عشر سنوات بسعر فائدة 1% أو 2%، ربما كان يرى وقتها أن هذه التكلفة مرتفعة، فعليه اليوم أن يعيد حساباته. فالعالم الذي أتاح هذا النوع من التمويل تغير، وما كان يُنظر إليه باعتباره فائدة مرتفعة نسبيًا أصبح اليوم أقرب إلى ذكرى من عصر المال الرخيص.
والمقصود بالمال الرخيص ليس قيمة النقود نفسها، وإنما تكلفة الحصول عليها. فعندما تستطيع حكومة تمويل عجزها بعائد يقترب من الصفر، أو تقترض شركة مليارات الدولارات بفائدة محدودة، أو تحصل أسرة على قرض عقاري بتكلفة منخفضة، يصبح الوصول إلى رأس المال أسهل وأقل تكلفة.
وفي ذروة هذه المرحلة، أواخر عام 2020، تجاوزت قيمة السندات المصدرة ذات العائد المنخفض والسالب عالميًا 18 تريليون دولار.
لماذا أصبح المال أغلى؟
على مدى العقود الماضية تراكمت الديون عبر أزمات متتالية، من الأزمة المالية العالمية في 2008 إلى جائحة كورونا، ثم صدمات الطاقة والغذاء والحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإيرانية، وتوترات سلاسل الإمداد والحروب التجارية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق على الدفاع والطاقة والبنية التحتية.
والمستثمر الذي يشتري سندًا يستحق بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة لا ينظر فقط إلى سعر الفائدة الحالي، بل إلى التضخم، وحجم الدين والعجز، واستقرار الاقتصاد والسياسي وقيمة العملة، والسياسة المالية، وحجم السندات التي ستحتاج الحكومة إلى إصدارها مستقبلًا.
الدين العالمي زاد 50 تريليون دولار منذ 2021
وفق بيانات معهد التمويل الدولي، ارتفع الدين العالمي من نحو 303 تريليونات دولار بنهاية 2021 إلى قرابة 353 تريليون دولار بنهاية الربع الأول من 2026، أي بزيادة نحو 50 تريليون دولار، أو %16.5.
وفي الربع الأول من 2026 وحده ارتفع الدين بنحو 4.4 تريليون دولار، ليعادل قرابة 305% من الناتج العالمي.
وهذا الرقم يشمل ديون الحكومات والأسر والشركات غير المالية والمؤسسات المالية، وليس الدين الحكومي وحده. كما أنه لا يعني أن 353 تريليون دولار تستحق السداد الآن، بل يمثل إجمالي الديون المتراكمة التي يحملها الاقتصاد العالمي. أي أن العالم يدخل مرحلة ارتفاع تكلفة المال وهو يحمل ديونًا تزيد بنحو 50 تريليون دولار عما كان يحمله في نهاية 2021.
من أقل من 1% إلى أكثر من 5%
وفي الوقت الذي زاد فيه حجم الدين، تغير السعر الذي تدفعه الحكومات للحصول على المال؛ ففي الولايات المتحدة، باعت الحكومة في أغسطس 2021 سندات خزانة لأجل 30 عامًا بعائد 2.04%. وفي مزاد أغسطس 2026 بلغ العائد للأجل نفسه نحو 5.22%، أي بزيادة تقارب 3.18 نقطة مئوية خلال خمس سنوات.
وفي اليابان، بلغ متوسط العائد في مزاد السندات الحكومية لأجل 30 عامًا نحو 0.647% في أغسطس 2021، بينما وصل في مزاد أغسطس 2026 إلى 3.937%، أي بزيادة تقارب 3.29 نقطة مئوية.
وفي ألمانيا، أصدرت الحكومة في سبتمبر 2021 سندًا لأجل 30 عامًا بعائد بلغ 0.159% فقط. وبنهاية يوليو 2026 بلغ عائد السندات الألمانية لأجل مماثل في السوق نحو 3.65%، بفارق يقارب 3.49 نقطة مئوية.
أما بريطانيا، فباعت في أغسطس 2021 سندات تستحق في 2051 بمتوسط عائد 0.972%، بينما تجاوزت عوائد الدين الحكومي البريطاني طويل الأجل 5% في 2026، أي بفارق يتجاوز 4 نقاط مئوية عن مستويات 2021.
أي أن حكومات كانت تستطيع الاقتراض لآجال طويلة بتكلفة تدور حول 1% أو أقل، أصبحت تواجه اليوم تكلفة تتراوح بين نحو 3% وأكثر من %5 .
29تريليون دولار من الاقتراض في عام واحد
تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يبلغ إجمالي اقتراض الحكومات والشركات من أسواق السندات عالميًا نحو 29 تريليون دولار في 2026، مقابل 27 تريليونًا في 2025، ونحو ضعف المستوى قبل عشر سنوات.
لكن الـ 29 تريليون دولار لا تمثل كلها ديونًا جديدة تضاف إلى الدين العالمي. فهي تشمل إعادة تمويل ديون قديمة تصل إلى الاستحقاق، إلى جانب الاقتراض الجديد.
ومن داخل هذا الرقم، يُتوقع أن تقترض الحكومات المركزية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وحدها نحو 18 تريليون دولار في 2026.
ومن هذه الـ 18 تريليونًا، سيذهب نحو 14 تريليون دولار، أو قرابة 78%، لإعادة تمويل ديون قائمة، بينما سيقترب الاقتراض الصافي الجديد من 4 تريليونات دولار.
أي أنه من كل 100 دولار ستقترضها هذه الحكومات، سيذهب نحو 78 دولارًا لاستبدال ديون قديمة، والباقي يمثل زيادة صافية في التمويل.
وقد ارتفعت احتياجات إعادة التمويل لهذه الحكومات من نحو 12 تريليون دولار في 2024 إلى 13.5 تريليونًا في 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى نحو 14 تريليون دولار في 2026.
والمشكلة هنا هي اختلاف تكلفة الدين القديم عن الجديد. فسند صدر قبل سنوات عند 1% قد يحتاج عند استحقاقه إلى الاستبدال بسند جديد عند 3% أو 4% أو 5%. لذلك تدخل تكلفة الفائدة الأعلى إلى الموازنات تدريجيًا مع إعادة تمويل الديون.
ولفهم حجم سوق الدين نفسه، يبلغ إجمالي رصيد السندات الحكومية وسندات الشركات التي أُصدرت سابقًا وما زالت مستحقة ولم تُسدَّد نحو 109 تريليونات دولار عالميًا.
إذن الـ 109 تريليونات دولار تمثل مخزون السندات المتراكم، بينما الـ 29 تريليون دولار تمثل حجم الاقتراض المتوقع من سوق السندات خلال 2026 وحده.
وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وحدها، ارتفع رصيد السندات السيادية القائمة، أي السندات التي أصدرتها الحكومات في سنوات مختلفة وما زالت مستحقة للمستثمرين، من 55 تريليون دولار في 2024 إلى 61 تريليونًا في 2025.
أما في الاقتصادات الناشئة والنامية، فقد اقترضت الحكومات المركزية أكثر من 4 تريليونات دولار خلال 2025، مقابل قرابة 3 تريليونات في 2024، بينما بلغ إجمالي رصيد ديونها الحكومية القابلة للتداول والمتراكمة نحو 14 تريليون دولار.
والشركات بدورها تحتاج إلى التمويل؛ فقد بلغ اقتراضها من الأسواق نحو 6.8 تريليون دولار في 2025.
كما يزيد الطلب على رأس المال من قطاعات جديدة. فقد أصدرت أربع من شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 194 مليار دولار من السندات خلال 2026 حتى 7 يوليو، بزيادة 79% عن 2025، فيما يُتوقع أن يتجاوز الإنفاق الرأسمالي لخمس من أكبر شركات التكنولوجيا 730 مليار دولار هذا العام
المستثمر أصبح يملك خيارات أكثر
خلال سنوات المال الرخيص، كانت البنوك المركزية من كبار مشتري السندات الحكومية. ومع تراجع حيازاتها وارتفاع الإصدارات، أصبح جزء أكبر من الدين يعتمد على مستثمرين أكثر حساسية للسعر، مثل صناديق التحوط والأسر وبعض المستثمرين الأجانب.
وفي عصر العوائد القريبة من الصفر كان المستثمر يبحث عن أي أصل يمنحه عائدًا أما اليوم، فإذا كانت الخزانة الأمريكية تقدم أكثر من 5% على الأجل الطويل، فلماذا يقرض شركة بالنسبة نفسها؟ وإذا كانت ألمانيا ذات الاقتصاد القوي تقدم أكثر من 3%، فلماذا يتحمل مخاطر دولة أضعف دون عائد إضافي؟ وإذا اقترب العائد الياباني لأجل 30 عامًا من 4%، فلماذا يخرج المستثمر الياباني بأمواله إلى الخارج بالشروط القديمة؟
وهكذا أصبحت الحكومات والشركات والأسواق المتقدمة والناشئة تتنافس على رأس المال نفسه.
مقالات أخرى للكاتب عبر CNBC عربية:
* المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها.. ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة قسم "مقالات رأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي